بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة الاختيارات الفقهية:
العدد الثاني::
الدّر المفقود في كيفية الإهواء إلى السجود
لماذا اختار جمهور السلف البروك بالركب؟
حقوق الطبع محفوظة
للمؤلف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ونتوب إليه ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له.
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد؛
فقد كنا نظن زمنا ، ونحن ببلد سكانه على مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أن الإهواء إلى السجود على اليدين من المسائل التي لا دليل لهم عليها، حتى قرأنا للعلامة محدث الشام: فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ كتابه " صفة الصلاة" وغيره، فعرفنا حينئذ أن لأهل بلدنا مستندا من السنة في هذه المسألة ، فالحمد لله على فضله.
ولكن قد بدا لي فيها رأي آخر إتباعا لأكثر أئمتنا من المحدثين والفقهاء ،أحببت عرضه على إخواني للإفادة والاستفادة ، فهذا هو:
فعن وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ قال:" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه،و إذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه."
أخرجه أحمد في" المسند"{381/2}، والدار مي في" السنن"{303/1}، وأبو داود في"كتاب الصلاة"{222/1}، والترمذي في" السنن"{56/2}، والنسائي في" كتاب التطبيق"{206/2}، وابن ماجة في" السنن"{286/1}،وابن خزيمة في" صحيحه"{318/1}،و ابن حبان في"صحيحه"{191/3}، والطبراني{97/22}، والدار قطني في"السنن"{345/1}، والطحاوي في" شرح معاني الآثار"{255/1}، والبيهقي في" السنن"{98/2}، والحاكم في" المستدرك"{226/1}وصحّحه ووافقه الذهبي، والبغوي في"شرح السنة"{133/3}، والحازمي في" الاعتبار"{222}،وقال:" هذا حديث حسن على شرط أبي داود، وأبي عيسى الترمذي،و أبي عبد الرحمن النسائي."
وذكره كذلك الصنعاني في" سبل السلام"{366/1}، والمناوي في" فيض القدير"{373/1}،والقاري في" مرقاة المفاتيح"{552/1}.
قال الشيخ ناصر الألباني ـ رحمه الله ـ :" هذا سند ضعيف، وقد اختلفوا فيه"،ثم نقل كلام الدار قطني:" تفرد به يزيد[ ابن هارون]عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به."" الضعيفة:329/2".
قلت:قولهم عن راو ما:"ليس بالقوي"، ليس كقولهم عنه:" ليس بقوي"،فإنّ الأول يقتضي نفي القوة عنه نسبيا، بينما يقتضي الثاني نفيها عنه بالكلية،فإنّ النّكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وعليه، يجب تنزيل كلام الدار قطني السابق على هذا الأصل.
كما أن قولهم:" سند ضعيف" لا يستلزم ضعف متنه، فإنه من المقرر أن صحة السند ظاهرا لا تستلزم صحة المتن، فقد روى الثقات أحاديث صحيحة السند ظاهرا،جزم المحدثون بأنهم غلطوا فيها.
لذلك فإن كلام الدار قطني الذي نقله الشيخ الألباني ليس تصريحا منه بضعف حديث شريك،و إنما الذي فعله هو وصف الضبط عنده، ويبقى على البحث و التحقيق تبيان إن كان شريك قد غلط فيه أم لا؟، كونه نفى عنه القوة معرفة بالألف واللام.
ووصف الضبط من المحدث ـ في حديث ما ـ ليس حكما منه على الراوي حكما عاما، فقد قال الدار قطني عن شريك في"علله"{225/2}:" ثقة".
كما يجب التنبيه على أن أئمة الحديث يردون أحاديث الثقات التي تبين لهم خطؤهم فيها،ويقبلون أحاديث الضعفاء ما عرفوا حفظهم وضبطهم لها،ولا يكتفون بمجرد معرفة أحوال الرواة في الجرح و التعديل.
وعليه ، فإن حديث شريك يجب النظر فيه ،في ضوء الملابسات الفقهية ، والتي لا يتسنى فيها فصل المرفوعات عن الموقوفات،أو فصلها عن فتاوي الأئمة ،وقواعد التعليل و الاستنباط، كما هو صنيع الحفاظ و النقاد الذين صححوه، وعملوا بموجبه.
ورجل مثل شريك،قال عنه الذهبي في" ميزان الاعتدال"{670/2}:" كان من أوعية العلم"
ولابد أنه حمل كثيرا من الأحاديث،ومثله لا يستغرب منه الانفراد،فإنه من المعلوم أن المكثرين من الرواية قد ينفردوا، والانفراد منهم غير مستبعد،وإنما يضر الانفراد المقلين.
ومما يؤيد أن شريكا كان من المكثرين ما نقله الذهبي عن ابن أبي حاتم أنه سأل أبو زرعة عن شريك: يحتج به؟ فقال:" كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانا"{ميزان الاعتدال:274/2}،و{ الجرح و التعديل} لابن أبي حاتم{367/4}.
قال العجلي في" معرفة الثقات"{453/1}:" كان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الو اسطي ، سمع منه تسعة ألاف حديث".
وقال ابن سعد في" الطبقات الكبرى"{379/6}:" ثقة مأمون كثير الحديث،ويغلط كثيرا."
قال الإمام أحمد:" قديم السماع من أبي إسحاق"
و التفرد قد يكون لأسباب منها: الضبط والإتقان ،إذا كان المنفرد يفوق من خالفهم في الضبط والإتقان ،وجودة الأداء، وقد يكون لكثرة الحفظ و المشايخ،وقدم السماع.
وتفرد شريك من القسم الثاني، فمن سمع أكثر من أقرانه و كان أقدم سماعا منهم، فلا بد وانه قد سمع مالم يسمعوه.
وعليه، و باعتبار المتابعات و الشواهد، وفتاوى الصحابة و التابعين يظهر أن سبب تفرد شريك كثرة الحفظ، وقدم السماع.
فهذا التحليل مما لا يجب إهماله عند التعرض لأحاديث المنفردين ،و بخاصة إذا علمنا أن في تلك العصور القديمة كان الانفراد دليل قدم الطلب وسعته.
ثم إن التفرد يصير علة قادحة إذا خالف المنفرد من هو أو ثق منه،وهذا الذي حاول الشيخ ناصر تقريره عندما نقل قول يزيد بن هارون:" إن شريكا لم يرو عن عاصم غير هذا الحديث" .
و أيده بقوله في" الإرواء"{76/3}:"إن شريكا خالف غيره من الثقات و الحفاظ مثل زائدة بن قدامة".
قلت: لكن الثقات الضباط قد خالفوا هم ـأيضاـ زائدة، فرووا الحديث بخلاف روايته ، بألفاظ متقاربة و أحيانا متباينة ، كما يظهر من مجموع طرق الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ
و لا يمكن الطعن فيهم كلهم ، وفيهم رجال الصحيح: سفيان الثوري، و عبد الله بن المبارك، وهمام بن يحي، وهشام الدستوائي و غيرهم، فلزم أن شريكا لم يخالف زائدة لوحده.
فإن قيل: إن مجموع روايات الحديث المتفرقة ضمها حديث زائدة إلا رواية شريك ؟
قلنا: أولا: زائدة روى ما رووا على انفراد، فروى بالنسبة لكل واحد منهم مالم يرو، وأصل الحديث عن وائل بن حجر واحد ، إلا انه قطع فروي كل واحد منهم جزءا.
و الذي يظهر من مجموع طرق الحديث،أن الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ قسمه الرواة عنه بحسب الموضوع الفقهي، لذلك يعد كل قسم أو قطعة منه حديثا بحد ذاته.
وهذا العمل قد فعله جمهور المحدثين، وذكره الإمام مسلم في "مقدمة صحيحه"{124/1}.
فالتعارض يكون إذا كان المجلس واحدا ، و إلا فتعد الوجوه المختلفة طرقا مستقلة .
ذكر ابن رجب في " شرح علل الترمذي"{ ص:292} عن يحي بن معين أنه قال:" شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل وهو أقدم"
وقرن مرة أخرى بينه و بين أبي عوانة في أبي إسحاق.
ونقل جماعة عن الإمام أحمد تقديم شريك على إسرائيل في أبي إسحاق،وقال:" إنه أضبط عنه ،و أقدم سماعا".
و عبد الرحمان بن مهدي:" رجح إسرائيل على الثوري و شعبة ".
قال العجلي:" و يقال: إن شريكا أقدم سماعا منهم".
قال يحي بن معين :" وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان[ يعني الثوري]"نفس المصدر السابق و الصفحة".
فتبين من هذه النقول أن سماع هؤلاء الأئمة من أبي إسحاق السبيعي لم يكن واحدا، و أبو إسحاق السبيعي هو الذي ذكر فيما رواه عنه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه رأي أصحاب عبد الله بن مسعود يهوون على الركب، ولفظه:" كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم""المصنف"{624/1}.
و عليه يمكن القول: إن سماع شعبة ، وسفيان، وهشام ، وهمام ، وإسرائيل ، وزائدة وغيرهم لم يكن في وقت واحد ، و شريك أقدم سماعا منهم في أبي إسحاق ، وأعلمهم برواياته كما شهد له بذلك الأئمة الفحول في الحديث.
ولذلك نقول: وصف الرواة وصفا عاما جائز فيمن اتفقوا على تركه، أما من ضعفوه ولم يتركوه ، واعتبروا بحديثه فيلزم ترجمته بالتقيّد بمشيخته، فمن الرواة من تكلموا فيه عموما، وهو من أثبت الناس في شيخه،أو في أهل بلده، ومنهم من وثقوه وهو ضعيف في بعض الشيوخ،أو قد يكون مقبولا في المغازي أو التفسير ضعيفا في غيرها.
فتقسيم المحدثين للرواة إلى طبقات باعتبار الشيوخ له فائدة معرفة التفرد و المخالفة ، لأن ملابسات الرواية والسماع قد تظهر من صيغ التحمل و الأداء، ولكنها في الغالب تظهر بمقابلة الطرق وجمعها إلى بعضها البعض.
ذلك أنه قد ثبت عند المحدثين أن يعضا من الصحابة رووا أجزاء من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم رواها آخرون كاملة ، وذلك كأن يحضر في آخر المجلس، أو يشغله أمر من طلب طهارة أو دابة فلتت منه ـ كما حصل لعمران بن حصين ـ أو لإجابة سائل أو متسول وغيرها من أمور تدفع بالسامع إلى التشاغل عن الراوي .
و كذلك الرواة الثقات قد ينسوا زيادة في حديث و يحفظها من هو دونهم في الإتقان ويرويها، وهذا راجع للأسباب المذكورة.
و قد لا يعرف السامع أن الشيخ في مجلس فتوى أو مذاكرة ، وان الحديث الذي أرسله متصل السند ، فيأخذ هذا السامع الحديث على أن الشيخ أرسله.
ولذلك فإن عرض سند مثل هذا الحديث على بقية الطرق ، ومعرفة أحوال المجلس إن كان واحدا أو متعددا ، وعرض المتن على النقد الفقهي و الأصولي كفيل بتبيان هذه الأوجه.
ومن جهة أخرى: يمكن أن نقول: كلام يزيد بن هارون قد يفسر لصالح شريك لا عليه، .
فإن من وصف بالوهم و الخطأ من الرواة العدول، قد يكون وهمهم في السند ، كما قد يكون في المتن ،والوهم في السند يقتضي أن يصحف أو يقلب ، ومقولة يزيد مما ينفي عن شريك هذا الضرب من الوهم، فلم يبق إلا الوهم في المتن،وهو الذي قصد الشيخ الألباني .
فنقول: ما يمنع أن تكون رواية شريك حديثا آخر غير حديث زائدة ، وقد علمت أن الثقات من رجال الصحيح قد خالفوا زائدة ،ولم يكن ذلك طعنا في رواياتهم ،ذلك انه كثيرا ما يحصل أن يروي الشيخ لرجل مالا يرويه لآخر، للاختلاف طرق التحمل ومدته.
مثل ذلك رواية الموطأ عن مالك بلغت إلى عشرين رواية ، تختلف فيما بينها إلى حوالي مائتي حديث ،وقد سبق و أن أوضحنا أن الرواة في طبقة شريك سماعهم من أبي إسحاق لم يكن في مجلس واحد.