و مارايكم في هذا الكلام
انه صرخه مدويه ودعوه ان نناقش وان نفكر في اوضاع باتت تهدد بكارثه
مأساة العرب اليوم أن الكل أساتذة ولا يوجد تلاميذ.. وعندما سمعت شابا يقول يوما: نحن جيل بلا أساتذة.. قلت له متدخلا في الحوار الذي لم يكن معي: ونحن يا بني جيل بلا تلاميذ.. ومن الطبيعي يا ولدي ألا يكون لكم أساتذة لأنكم ولدتم أساتذة.. وكل منكم نزل من بطن أمه سبقته رتبته ودرجته العلمية.. فكيف يكون لكم أساتذة؟
***
وفي الأمة العربية لا يوجد صف ثان في أي موقع لأن الكل يتنازع علي الصف الأول.. ومن العبث أن يتصور كاتب أنه يكتب للناس لكي يعلمهم ما لا يعلمون.. من العبث أن يتصور كاتب أنه يجلس علي مقعد الاستاذية من خلال مقاله أو برنامجه لأننا سحبنا سفراءنا من بعضنا ولم يعد بيننا اعتراف متبادل.. والقاريء لا يصدق الكاتب والكاتب لا يصدق اطراء القاريء أو حتي قدحه.. والكاتب يكتب بمنطق "الغاوي".. والقاريء أيضا "غاوي يا بيه".. لذلك لا تصل رسائلنا إلي بعضنا وكل منا يريد أن يكون مرسلا لا متلقيا.. ونحن لا نخجل ولا نستحي ولا نندهش ولا نتردد ولا نعيد النظر ولا نتأمل.. أغنياؤنا نصابون وفقراؤنا طماعون.. ومسلمونا ومسيحيونا يعبرون عن تدينهم بأن يكره كل فريق الآخر.. تماما مثل الأهلاوي والزملكاوي.. لا أحد منهما يحب فريقه ولكنه يكره الفريق الآخر.. والمسلم والمسيحي لا علاقة لأي منهما بدينه لكنه يفتي ويتعصب ويكره.. تماما مثل الأهلاوي والزملكاوي لا علاقة لأي منهما بالكرة.. لكنه يفتي ويلعن أبا الحكم واتحاد الكرة.. وهدف فريقه صحيح.. وهدف الفريق الأخر تسلل.. لذلك يبقي الحوار في كرة القدم بلا حسم ولا نهاية.. مثل الحوار بين المسلم والمسيحي واليهودي.. فلا حوار بين من يتبادلون الكراهية.. هناك نفاق مناسبات.. وموائد وحدة وطنية وكلام خائب.. لكن علي قلوب أقفالها.. تماما مثل علاقة الكراهية بين الغني والفقير.. وبين السني والشيعي وبين أي عربي وأي عربي آخر.. فالعربي إنسان عشوائي.. والبيئة العربية ملوثة لأن الإنسان نفسه ملوث.. وحامي الأمة أو حامي البيئة هو نفسه ملوثها وحراميها.. ولا فرق بين أن نلوث البيئة بالعسل أو نلوثها بالزفت.. والنتيجة النهائية في كل الأحوال هي التلويث.. لا فرق بين أداة وأخري في خرق السفينة.. لا فرق.. مادام الخرق هو الخرق.. الغني يخرق السفينة بسكين من ذهب.. والفقير يخرقها بسكين من خشب.. المسلم يخرقها بهلال.. والمسيحي يخرقها بصليب.. والجميع منزوعو الحب والضمير.. ومنزوعو الدسم وكمية التفاهة والسطحية تفيض عن الحاجة ويمكن تصدير الفائض إلي الدول الأخري التي لديها ندرة ونقص في التفاهة والتهافت والسطحية والسفالة والرذالة وثقل الدم.
وعندما تحدث واقعة بين المسلمين والمسيحيين نتباري في التفاهة والكلام الخائب والنفاق وشعر المناسبات.. وكل مسلم وكل مسيحي يروي تجربته الذاتية مع الوحدة الوطنية فهذا رضع من امرأة مسيحية وهذا تربي في بيت مسلم.. وهذا كانت له قصة حب مع فتاة مسيحية.. وآخر كانت له غراميات مع فتاة مسلمة.. فنحن أيضا نثبت الوحدة الوطنية بحاجات البطن والفرج.. نثبتها بالرضاعة أو الموائد الرمضانية أو العلاقات الغرامية التي هي علاقات جنسية فرجية صريحة بين المسلمين والمسيحيين.. ونحن في واقع الأمر بيننا وحدة وثنية ولم تكن يوما ما وحدة وطنية.. لأن الفروق الدينية تسقط تماما بين أهل الشر.. فاللصان المسلم والمسيحي يسرقان معا ويقتسمان الغلة بالعدل والقسطاس.. والمنحرفان المسلم والمسيحي يذهبان معا إلي بيت الدعارة ولا تهمهما ديانة الساقطة التي يواقعانها.. والكلبان المسلم والمسيحي يغتصبان أي امرأة في الطريق العام.. ولا يبحثان عن خانة الديانة في رقمها القومي.
***
"وحياة أبوكم" لا تحدثوني عن حب ولا تطلبوا من المريض الدواء ولا من المعقد الحل.. نحن قوم تحركنا الكراهية ولا يحركنا الحب لذلك يتباري أبناء العرب بكل همة ونشاط في خرق السفينة.. لذلك نتشرذم ونتقزم ونمارس التصنيف والثنائيات الخائبة مثل المرأة والرجل والشباب والشيوخ والنصاري والمسلمين.. والسنة والشيعة والأكراد والامازيغ.. عندما تآكلت الأوطان في أعماقنا.. تآكلت الأمة.. وبحثنا ومازلنا نبحث عن مظلات وخيام بديلة.. مذهبية ودينية وسياسية وطائفية وعرقية وقبلية.. وعندما يكون لكل فريق خيمة غير خيمة الوطن ثم خيمة الأمة فتلك خيبتنا وبداية خراب بيتنا.. ولا تحدثوني بعد ذلك عن شعار طنان رنان بلا مضمون تسمونه المواطنة.. فالمواطنة لا تأتي بقرار فوقي أو بلافتة.. ولكنها تنبع من أعماق كل منا.. ولأن فكرة العروبة في الأساس فوقية عرقية ليست قائمة علي قناعات وايديولوجيات معينة.. سقطت في أول امتحان وبحث اتباعها عن خيمات وخيبات عرقية وطائفية بديلة فغرقنا فيما نحن فيه من تصنيف مبني أساساً علي الأحقاد والكراهية.. والذين يطلبون مني الحل ليسوا مقتنعين أصلا بأن هناك مشكلة.. ومهمتي المستحيلة أن يقتنع الناس قلبا وعقلا لا بطنا وفرجا ولسانا وقلما بأن العرب علي شفا الكارثة ان لم يكونوا قد سقطوا بالفعل في هاويتها.. ولو أنني انفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوب العرب ولا بين قلوب أبناء كل دولة عربية علي حدة.. لا طاقة لي بذلك ولا مقدرة لي عليه.. وعندما تكون الكراهية هي المنطلق لكل قول وفعل وفكرة في هذه الأمة فإن الصراخ يصبح غير ذي جدوي.. عندما تملأ الدنيا حبا جنسيا وغراما عفناً علي قارعة الطريق بينما كل منا يكره نفسه ويكره وطنه ويكره زميله ويمقت جاره.. فإن دعوات الحب والمواطنة وموائد الوحدة الوطنية والأحضان بين مشايخ الإسلام وقساوسة النصاري تصبح مدعاة للتندر والسخرية وربما "للشخرية" أيضا.. وهذا يحدث بالفعل عندما لا تستطيع أن تقنع الناس بأن مشاكلهم علي اختلاف طوائفهم ومللهم واحدة.. فتلك الحالقة.. عندما يكون المسلم والمسيحي والسني والشيعي أفجر وأكفر خلق الله.. "وأعفن خلق الله" خلقا وافسد خلق الله نفسا وأنجس خلق الله يدا.. ثم يرفعون راية الدين وهم يتعاركون فتلك والله حافة الانهيار.. وكل هذه المظاهر الدموية في الشارع العربي القذر طفح جلدي للكراهية وطفح لمجاري وطرنشات الأحقاد.. وبحث عن عدو بعد أن سقط عدونا المشترك من الحسبان وأصبحت إسرائيل الصديق الوسيط والزوج العلني لبعض بلاد الأمة والزوج السري أو العشيق الليلي للبعض الآخر.
ولا أحد يستطيع الحياة بلا عدو.. لا يمكن أن تسقط النظرية القرآنية العظيمة "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" وعندما دخلنا موسم الخيار الاستراتيجي رفعنا شعار: لم يعد لنا أعداء كل الناس حلوين.. في عنيه حلوين عندما مارسنا تسقيع وتبريد الحدود والجبهة الخارجية وأطفأنا خطوط النار.. انفجرت مجاري الكراهية في الداخل.. وراحت كل طائفة تبحث عن عدوها وتخترعه.. وعبثا نقول لأبناء الوطن الواحد إن معاناتكم واحدة.. ومشاكلكم واحدة.. وخيبتكم واحدة.. لا أحد يقتنع.. هناك عقدة الاضطهاد.. وعقدة الدونية وعقدة الاغتراب في الوطن والتيه والضلال في الأمة.. هناك هشاشة وميوعة وافتقاد للصلابة والمناعة.. هناك عجز وخور وخوار.. والعاجز لا يستطيع إلا أن يكره ويحقد وينفث سمومه.. والكراهية لدي العربي أيا كان مذهبه "وملة دين أمه" ابنة صلبية للضعف والهشاشة والشعور بالدونية والانسحاق.
الكراهية هي المحرك الأوحد للحكومة والمعارضة وأقباط "البعجر" والإخوان والأخوات والأغوات والبكوات والباشوات والسادة "والسيئات".. و"الحبيبة".. "والهليبة".. ودير أبو فانا "وأبو عفانه".. والصوفي والكوفي.. والبصري والمصري.. والشامي والسوداني والحليجي والمغاربي.. حتي الاطفال يرضعون كراهية ولديهم أحقاد واضغان وصياعة مبكرة جدا.. حتي أنني أكاد أقسم علي أننا في زمن بلا أطفال وبلا كبار.. وبلا نساء وبلا رجال.. زمن عربي أغبر لأن الذين يعيشونه لوثوه.. حتي أنني أظن أن الأيام تجري لتهرب من خلقتنا.. وأن اليوم الذي ينتهي يتنفس الصعداء لأنه تخلص من وجوه العرب المنكرة وأفعالهم الدنيئة.
في الماضي كانت المعاناة تنتزعنا من الوطن فنهاجر من كل الأمة إلي بلدان أخري في أرض الله الواسعة.. لكن الوطن يبقي فينا ويسافر معنا.. اليوم نحن في الأوطان لكنهم انتزعوها منا.. اغتربنا في الأمة.. وأسوأ هجرة هي أن يهاجر منك الوطن.. واخف هجرة أن تهاجر أنت من الوطن ويبقي فيك.. ولم يعد هناك محل من الأعراب لمقولة إن الوطن ليس هو الذي نعيش فيه ولكنه الذي يعيش فينا.. فذلك شعار أصبح أجوف.. فنحن جميعا نعيش في الأوطان العربية لكنها لم تعد تعيش فينا.. نحن نعيش في الأوطان لنخرق السفينة ونلوث البيئة ونكره بعضنا.. ونصلي ونزني في وقت واحد.. بيننا وحدة وثنية.. وحدة كراهية.. ووحدة شر.. ويا صديقتي العزيزة فاطمة محمد محمود شعبان.. طوبي لمن بكي.. طوبي لمن تألم.. فالليل سجا.. وطوبي لمن نجا.. فدعيهم يضحكون قليلا ليبكوا بعد ذلك كثيرا.. فالذين كفروا في عزة وشقاق.. وهؤلاء يا أصدقائي الذين يتألمون ما ينظرون الا صيحة واحدة ما لها من فواق.. وساعتها لن يجدي الصراخ.. ولن تجدي الولولة.. ولن يجدي لطمهم وهم يصرخون: يا خيبتنا وخراب بيتنا!!
نظرة
الذل والهوان جين عربي أصيل يتوارثه الخلف عن السلف منذ عهد المماليك وحكم العبيد.. ولأن الناس علي دين ملوكهم ألفنا العبودية وتكيفنا مع الذل ولم نعد نستطيع الحياة بدونهما.. حتي في أمثالنا الشعبية لا نري إلا ترسيخا للذل والهوان كقولنا: "الغني طلب شقفة.. الفقير كسر زيره" أي أن الفقير الذليل المنافق حطم الزير الذي لا يمتلك غيره ليعطي الغني "الشقفة".. والكبار بأموالهم أو بمقاعدهم في الأمة العربية آلهة في رأي الأذلاء العرب فهم لا ينطقون عن الهوي.. وقد قطع الأمير المملوكي طرباي يد غلام من الأذلاء في بغلة ماتت منه وهو يرعاها في الحقول.. فتظلم الغلام للسلطان قنصوه الغوري فقطع يده الأخري لأنه تجرأ واشتكي سيده الأمير.. وقبض الحاكم علي لص أو قرصان وقال له: لم تسرق الناس وتقطع عليهم البحر؟ فقال: أنا أسرق الناس علي سفينة واحدة وتسميني لصا.. وأنت تسرق الناس بأسطول ويسمونك فاتحا.. والدونية والذل وجينات العبودية هي التي تجعلنا جبناء وعجزة ونتبادل الكراهية ونكره النجاح ونتصيد لبعضنا الأخطاء.. بل ونخترعها وفي ذلك الباب الخاص بالكراهية والتصيد يقول قعنب بن أم صاحب:
صم إذا سمعوا خيرا ذُكرتُ به..
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم..
مروءة أو تقي لله ما قطنوا
إن يسمعوا سيئاً طاروا به فرحا..
مني.. وما سمعوا من صالح دفنوا