الرياضيات
_____________
لم تكن جهود العرب وقفاً على الطب وانما برزوا في الرياضيات وما زال الغرب يستعمل كلمة Algebra ولوغاريتم في الرياضيات وقد وقف الغربيون بكل طاقاتهم لإبعادها عن أصلها الذي جاء من الخوارزمي بإعادتها الى اليونانية طوراً والى الهندية او اللاتينية تارة، فقد أبت نفوسهم الاعتراف لنا بهذه المفخرة الكبيرة، ومما يزيد النفس ألماً ان العرب أنفسهم وبخاصة هذا الجيل، يجهل كل الجهل من هو الخوارزمي، وحتى علماء الرياضيات لا يدرون بأنه اول من وضع قواعد الجبر وفصله عن الحساب وقد «رتّبه وبوّبه وزاد عليه زيادات مهمة تُعد اساساً لكثير من بحوثه» وليس هنا ما يضاهي الجبر من العلوم التي عرفتها الانسانية دقة واحكاماً.
وما تزال الجداول الرياضية تستعمل حتى اليوم كما وضع العرب القاطع والقاطع تمام، فقد أدخل البزجاني هذين المصطلحين مع الجداول الرياضية، كما أوجد «طريقة جديدة لحساب جداول الجيب وكانت جداوله دقيقة حتى ان جيب جيب زاوية 03 دقيقة كان صحيحاً الى غاية عشرة أرقام عشرية». (14)
ولولا فكرنا الرياضي لما وصل علم المثلثات الى المرحلة المتطورة التي وصل اليها الآن وكان من جراء اختصار الحساب ان وُضعت قواعد للحساب التي صعد بها الغرب الى القمر (فقد وضعوه بشكل علمي منظم مستقل عن الفلك، وفي الاضافات المهمة التي جعلت الكثيرين يعتبرونه علماً عربياً). (15)
ولن ينكر العصر الحديث اثر المثلثات في كثير من البحوث الطبيعية والهندسية والاكتشافات المعاصرة وتسهيل دروبها وتحقيق الانتصارات العلمية الكبيرة ودراسة الرياضات عند العرب تحتاج الى دراسة مفردة يقوم عليها مختص، لكني سأمر سريعاً بها وأذكر بعض شواهدها وخير من كتب عنها قدري طوقان، فقد أفرد لها كتاباً ضخماً طُبع اكثر من مرة ومما ذكره ان العرب قد توصلوا الى اثبات نسبة جيوب الاضلاع بعضها الى بعض كنسبة الزوايا المؤثرة بتلك الأضلاع بعضها الى بعض في اي مثلث كروي واستعملوا الماسات والقواطع ونظائرها في قياس الزوايا والمثلثات (16). بل ان البتاني حل بعض العمليات المتعلقة بالمثلثات بطريقة جبرية.
وقد خطا العرب خطوة لا يمكن ان ينساها علماء الرياضيات عندما استعملوا الرموز الرياضية، فقد سهلت كثيراً من العمليات واختصرت الوقت، عندما سهلت حل المعادلات بدرجات مختلفة.
وقد كانت لهم نظرة رياضية ممتازة عندما اعتنى علماؤها بالجذر الأصم، وكان الخوارزمي اول من استعمل «أصم» لتدل على العدد الذي لا جذر له ومن هذه الكلمة او من هذا المعنى استعمل الغرب لفظة Surd وهي تعني أطرش Deaf, Mute (17).
ولم يفت المنصفون من علماء الغرب تقديرهم للعقل الرياضي العربي، فقد قال كاجوري: «ان العقل ليدهش عندما يرى ما عمله العرب بالجبر، وقد كان لمحمد بن موسى الخوارزمي الفضل الاول في وضع علم الجبر والحساب عندما وضع كتابه «الجبر والمقابلة» في زمن المأمون (18)، وللخوارزمي فضل كبير في وضع كتاب في الحساب، من الاوائل في هذا العلم من حيث التبويب ووفرة المادة وقد نقله Adlord of Bath تحت عنوان الغورتمي.
والصفر، ما هذ الصفر الذي تمر به في هذه الايام من دون ان نعنى به او نلتفت الى أثره لأنه اصبح جزءاً من الحضارة المعاصرة واصبح سهلاً متداولاً، فللغرب قصة مع هذا الصفر. فقد احتار الغرب في هذا الصفر الذي يزيد العدد كمية ويكون احياناً لا يساوي شيئاً ولا يحسب، وأخذه الغرب فكان Cpher، وChuffer ثم اصبح Zphyr ثم Zero بالانكليزية. وباستعمال الصفر اصبحت الارقام التي يستعملها العرب اكثر مرونة وأيسر استعمالاً في العمليات الحسابية المختلفة فقد حلت الكثير من المعادلات مهما كانت درجاتها واستعمال الصفر مع الأرقام التسعة في الرياضيات أسهل من كتابة الحروف الرومانية، وايسر استعمالاً ولا تأخذ مكاناً كبيراً عند تدوينها ولنأخذ رقماً مقارباً للألف (998) ستكون DCCCLXXXXVIII اي اربعة عشر رقماً وهي ثلاثة ارقام بالاستعمال العربي.
ولعل من الطريف ان نذكر ان روما أصدرت تحريماً بالاتصال بالعرب الوثنيين، ولما أراد احد رؤساء الطوائف دراسة كتب اولاد موسى بن شاكر في الميكانيك والفلك والرياضيات والساعات الشمسية، استأذن البابا في هذه الدراسة.
ولما تعلّم غربرت، الذي أصبح البابا سلفسترس الثاني، العلوم عند العرب، وكان يعدّها ويحسبها بأرقامها ظنّوه ساحراً لأنه لا يكتب غير ارقام محدودة ويعرف النتائج بينما الارقام اليونانية تحتاج الى صفحات للحساب (20).
ولا يستغرب القارئ العربي اذا عرف بأن الغرب لم يعرف الهندسة إلا عن طريق علماء العرب وكتبهم ومؤلفاتهم، فقد كان هذا العلم مجهولاً، لأن كتب اليونان في الهندسة لم تصل الى الغرب، وقد ظهر مؤخراً في اوائل هذا القرن رسالتان في الهندسة وفي كنيسة وستر، الاولى كتبها البابا غربرت الذي مر ذكره والذي اصبح بابا باسم سلفسترس الثاني سنة 979م. والثانية ترجع الى اوائل القرن الثاني عشر للميلاد كتبها ادلر اوف باث وكلاهما تعلم العلوم عند العرب في الاندلس (21).