بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
..الاستغفار خصوصية المؤمنين
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أستأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي , استأذنته أن أزورها فأذن لي " (5) .
و عند الحديث عن المنافقين , نقرأ الآية : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله و رسوله و الله لا يهدي القوم الفاسقين ) (9) , و نقرأ عندها أيضاً حديث أبن عمر - رضي الله عنهما - في البخاري - حيث يقول : أن عبدالله بن أبي لما توفى جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه , و صل عليه و استغفر له , فأعطاه النبي صلى الله عليه و سلم قميصه , فقال : " آذني لأصلي عليه " فآذنه , فلما فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر - رضي الله عنه - فقال : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين , فقال : أنا بين خيرتين . قال : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله و رسوله و الله لا يهدي القوم الفاسقين ) (10) . فصلى عليه , فنزلت ( لا تصل على أحدٍ منهم مات أبداً و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون ) .
وورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً " .
و قال أبو المنهال : " ما جاور عبد في قبره من جارٍ أحب من الاستغفار " .
و كان الحسن البصري يقول : " أكثروا من الاستغفار في بيوتكم , وعلى موائدكم و في طرقكم و في أسواقكم و في مجالسكم فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة ؟ "
و قال بكر بن عبدالله المزني : " انتم تكثرون من الذنوب فأستكثروا من الاستغفار , فإن الرجل إذا وجد صحيفته بين كل سطرين استغفاراً سره مكان ذلك "
ألفاظ و صيغ الاستغفار
هناك ألفاظ للاستغفار جاءت في أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم ينبغي للمسلم أن يقولها و يستكثر منهااقتداءً بالنبي صلى الله عليه و سلم و من هذه الصيغ : " رب اغفر لي و تب علي أنت التوب الرحيم " (1) . و منها : " استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه " (2) و منها : " استغفر الله و اتوب إليه " (3) . و منها سيد الاستغفار : " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبؤ لك بنعمتك عليّ و أبؤ بذنبي فأغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " (4) .
وقفة مع سيد الاستغفار
عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم انت ربي لا إله إلا أنت خلقتني , و انا عبدك و أنا على عهدك ووعدك ما استطعت , اعوذ بك من شر ما صنعت أبؤ (1) لك بنعمتك علي , و أبؤ بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت , من قالها في أول النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة " (2) .
سمى النبي صلى الله عليه و سلم هذا الدعاء بسيد الاستغفار , و كما سبق فإن للاستغفار صيغاً أخرى لكن النبي صلى الله عليه و سلم خصه بهذه النقبة " سيد الاستغفار " و بالتأمل في ألفاظ هذا الاستغفار ما يحويه من معانٍ نجد أنه اشتمل على ما يلي :
- اللهم أنت ربي : إقرار الله عز وجل بتوحيد الربوبية .
- لا إله إلا أنت : إقرار بتوحيد الألوهية .
- خلقتني و أنا عبدك : إقرار من العبد بالعبودية و التذلل و الخضوع لله عز و جل .
- و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت : إقرار من العبد بالتزام الطريق المستقيم و منهج رب العالمين قدر استطاعته و استفراغ الجهد في ذلك .
- أعوذ بك من شر ما صنعت : لجؤ العبد و تحصنه بالله من جميع الشرور و الآثام و المعاصي التي ارتكبها .
- و أبؤ لك بنعمتك عليَّ : إقرار العبد و اعترافه بنعم الله عليه و تفضله و تكرمه على عبده بشتى أنواع النعم التي لا تعد و لا تحصى .
- و أبؤ بذنبي : اعتراف و إقرار العبد بالذنب سواءً كان هذا الذنب ذنباً معيناً أو الذنوب بصفة عامة .
- فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت : طلب المغفرة من الله عز و جل و التذلل بين يديه .
فبالنظر إلى ما اشتمله هذا الاستغفار من المعاني العظيمة سماه النبي صلى الله عليه وسلم " سيد الاستغفار " .
هناك أوقات و أحوال مخصوصة يكون للاستغفار فيها مزيد فضل و من هذه الأوقات :
- بعد الفراغ من أداء العبادات :و يستحب الاستغفار لما يقع فيها خلل أو تقصير في أداء العبادة قال الله عز و جل : ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاستَغفِرُوا اللَّهً إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {199} ) (1) .
وهذه الآية الكريمة جاءت في الحديث القرآني عن الحج خاصة بعد طواف الإفاضة فهنا يأتي الاستغفار لما يكن قد حدث من خلل أو تقصير في أداء العبادة .
كما شرع الاستغفار بعد الفراغ من الصلوات الخمس فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا سلم من الصلاة المفروضة يستغفر الله ثلاثاً لأن العبد عرضة لأن يقع منه نقص في صلاته بسبب غفلة أو سهو .
- الاستغفار بالاسحار :قد أثنى الله عز و جل على عباده الذين يستغفرون في هذا الوقت المبارك بقوله عز و جل ( الصَّابِريِنَ و الصَّادِقِينَ و القانِتِينَ و المُنفِقِينَ و المُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ {17} ) (2) .و قال عز و جل : ( كَانُوا قَلِيلاً مِّن الَّيلِ مَا يهجَعُونَ {17} و بِالأسحَارِ هُم يَتَغفِرُونَ {18} ) (3) .
و قد جاء في تفسير قوله عز و جل حكاية عن يعقوب - عليه السلام - : ( قَالَ سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ {98} ) (4) أنه أخر الاستغفار إلى وقت السحر (5) و السبب في فضلية هذا الوقت أن الله عز و جل يستجيب فيه الدعاء و يعطي فيه السائل و يغفر فيه للمستغفر .
عن أي هريرة - رضي الله عنه - أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال : " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فاستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له " (6) .
عن خالد بن معدان : " يقول الله عز و جل إن أحب عبادي إلي المتحابون بحبي المتعلقة قلوبهم بالمساجد و المستغفرين بالأسحار " (7) .
- في ختم المجالس :و ذلك عندما يقوم الإنسان من مجلسه خاصة إذا كان مع إخوانه أو في اجتماع أو في عمله , لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوم من مجلس إلا قال : " سبحانك اللهم ربي و بحمدك , لا إله إلا أنت استغفرك ربي و أتوب إليك " , فقالت يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت قال : " لا يقولهن من أحد حين يقوم من مجلسه ! إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس " (8) .
فهذه فرصة عظيمة ينبغي ألا يغفل عنها المسلم خاصة في مجالسنا التي يكثر فيها الكلام و يقع من الإنسان فيها ما الله به عليم .
- الاستغفار للأموات :كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : " استغفروا لأخيكم و سلوا له التثبيت , فإنه الآن يسأل " (9) .
فما أحوج الميت في هذا الموقف العصيب إلى الاستغفار و طلب المغفرة من الله عز و جل له لذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يستغفر للأموات إذا زارهم و وقف على قبورهم .
استغفار الملائكة
الملائكة خلق الله خلقهم عز و جل من نور . و الملائكة و صفهم الله عز و جل ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (1) و كذلك يسبحون الليل و النهار لا يفترون , و هذا الخلق الكريم جاء عنه في القرآن أنه يستغفر , لكن يستغفر لمن ؟ إنهم يستغفرون لأهل الأرض و خاصة المؤمنين منهم , و استغفار الملائكة هو طلب المغفرة من الله عز و جل لعباده بأن يغفر خطاياهم و يتجاوز عن سيئاتهم قال الله عز و جل في كتابة العزيز : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (2) و قال عز و جل : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) (3) .
أيضاً من المواضع التي تستغفر الملائكة فيها للعبد عندما يكون العبد في مصلاه في ( المسجد ) ينتظر الصلاة فإن الفترة ( فترة الانتظار ) من الأوقات الشريفة التي يكتب فيها الثواب و يحظى بالقرب من الله عز و جل , و استغفار الملائكة و الدعاء له , عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه تقول اللهم صل عليه اللهم أرحمه اللهم أغفر له ما لم يحدث أو يخرج من المسجد " (4) .
استغفار الأنبياء – صلوات الله و سلامه عليهم
الأنبياء و المرسلون هم صفوة الله عز و جل من خلقه ,و هم معصومون بعصمة الله عز و جل لهم , و على الرغم من مكانتهم و منزلتهم و قدرهم عند ربهم , و على الرغم من أنهم معصومون إلا أنهم تضرعوا إلى ربهم بالدعاء و الاستغفار طمعاً في مغفرة ربهم , قال الله عز و جل عن الأبوين عليهما السلام : (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (1) .
وقال عز وجل حكاية عن نوح – عليه السلام : (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (2) .
و قال تعالى أيضاً : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ) (3) .
و قال عز و جل حكاية عن نبيه إبراهيم – عليه السلام - : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (4) .
و قال الله عز و جل حكاية عن نبيه داود – عليه السلام - : (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) (5) .
و قال الله عز و جل حكاية عن نبيه سليمان – عليه السلام - : (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (6) .
و قال الله عز و جل حكاية عن نبيه – موسى عليه السلام - : (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (7) .
فإذا كان هذا حال الأنبياء – صلوات الله و سلامه عليهم – فكيف بنا ؟ و أين نحن من الاستغفار ؟استغفار النبي صلى الله عليه و سلم
و قال تعالى : ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) (2) .
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " و الله إني لاستغفر الله و أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " (5) .
و عن ثوبان – رضي الله عنه – قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً . (8) .
و كان صلى الله عليه و سلم من مجلسه قال : " سبحانك اللهم و بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك " (9)
و كان من دعائه صلى الله عليه و سلم : " اللهم اغفر لي خطيئتي و جهلي و إسرافي في أمري و ما أنت أعلم به مني , اللهم اغفر لي هزلي و جدي و خطئ و عمدي و كل ذلك عندي , اللهم اغفر لي ما قدمت و ما أخرت و ما أسررت و ما أعلنت و ما أنت أعلم به مني أنت المقدم و أنت المؤخر و أنت على كل شيءٍ قدير " (10)